التخطي إلى المحتوى
عبدالله أبو شرخ – لماذا يجب المطالبة بدولة واحدة ؟؟!

بالعربي / لقد فشلنا كعرب في إنتاج مجموعة من المثقفين تنذر نفسها للقيم والمباديء والأخلاق – الراحل إدوارد سعيد

السلام هو الاعتراف علانية بالحقيقة،

ماذا صنعتم بطيف القتيل ؟!
السلام هو الانصراف إلى عمل في الحديقة
ماذا سنزرع عما قليل ؟!
محمود درويش

باعتقادي أن التنظير الرسمي والشعبوي لدولة فلسطينية مستقلة ضمن حدود 67 قد تجاوز مداه بمحاولات خلق واقع افتراضي وهمي لهذه الدولة، بدءا من العلم والنشيد ومرورا بالسجاد الأحمر والإذاعة والتلفزيون، إلى أن تنهار كل تلك الأصنام أمام حقيقة أن رئيس السلطة بجلالة قدره بحاجة إلى تصريح ” إسرائيلي ” للسفر والعودة !

نحن نرسل قسماً كبيراً من مرضى السرطان للعلاج في إسرائيل، ونضطر لاستيراد جميع ما يلزمنا من غذاء وملبس ومواد بناء من إسرائيل، وكذلك تحتاج غزة أسوة بالضفة إلى منحها حق العمل داخل الخط الأخضر. هذا واقع وعلينا الاعتراف به شئنا أم أبينا ! في بحر غزة تقوم البحرية الإسرائيلية بمطاردة الصيادين لإبعادهم عن حدود 3 أميال، ولا يجرؤ أي صياد على النزول إلى البحر طالما لم تسمح البحرية الإسرائيلية بذلك !! وعندما يريد أهل غزة الانتقال إلى الضفة فلابد من تصريح إسرائيلي أيضاً !

في فيلم وثائقي عن حياته، يروي الطبيب والإنسان التقدمي الراحل حيدر عبد الشافي، أننا كعرب وفلسطينيين تصرفنا ” بردة فعل ” عند قيام دولة إسرائيل بقرار أممي .. ومن يومها ونحن نتصرف بردات الفعل غير المحسوبة ولا الممنهجة. ثوراتنا عفوية .. انتفاضاتنا عفوية .. حروبنا عفوية .. حتى إنجاب الأطفال لدينا لا يزيد عن كونه مسألة عفوية !

خلال السبعينات والثمانينات كانت هناك اتجاهات سياسية في المجتمع الإسرائيلي تقترح ضم الضفة وغزة، وبالفعل ففي عام 1983 وبعد حرب لبنان، قامت إسرائيل بإزالة حاجز إيرز بين غزة وإسرائيل فأصبح الناس يدخلون إسرائيل ليلاً أو نهاراً بسياراتهم الخاصة دون تفتيش أو توقيف !

القوى المحافظة من الفلسطينيين والإسرائيليين لم تتقبل فكرة التعايش ضمن دولة واحدة لاعتبارات عنصرية شوفينية، وبعد ثلاثة شهور قام شبان من دير البلح بعملية خطف باص إسرائيلي من المجدل، قتل المنفذون وفي اليوم التالي أعادوا حاجز إيرز إلى مكانه وتم وأد حلم الدولة الواحدة !!

نتساءل، ماذا لو كان الهنود الحمر الآن في أمريكا يعلمون أبناءهم بأن تلك القارة كانت في زمن ما لهم وحدهم، وبأن حلمهم الوطني هو طرد الأبيض المحتل منها ليعود من حيث أتى ؟! هل هذا كلام معقول ؟؟! هناك سكان أصليين في أستراليا كذلك، ولكنهم يعيشون الآن في الدولة مع كامل حقوقهم في المواطنة الأسترالية .. لدينا مثال أقرب لحالتنا الفلسطينية وهو المثال الجنوب أفريقي حيث اعتدت عصابات الاستعمار الإنجليزي على تلك البقعة من الأرض وأسسوا دولة صناعية كما فعلوا في أمريكا. كانت لهم مدارس خاصة ووسائل نقل خاصة وأماكن سكن خاصة، فنشأ ما سمي في حينه ” الأبارتهايد ” أو العزل العنصري. داخل هذا العزل كانت شرطة البيض تقتل السود بدم بارد، وكانوا يستغلونهم كعبيد في الأعمال الشاقة والمزارع والبناء بلا مقابل تقريباً. التفرقة العنصرية كانت رهيبة وكان على الشعب الأسود في جنوب أفريقيا أن يبدأ كفاحه لتحرير البلاد من البيض وبهذا فقد تشكل حزب المؤتمر الوطني بقيادة المحامي نيلسون مانديلا الذي اعتقل بتهمة التحريض على ارتكاب العنف، لكن داخل السجن حدثت تحولات فكرية لدى القائد، فهو لم يطمح لمنصب أو راتب 12 ألف شيكل وسيارة فخمة وفيلا حجر قدسي .. كان كل همه إنقاذ شعبه من مأساة التمييز العنصري وأشكال الاضطهاد والعبودية. استنتج مانديلا أن البيض يمتلكون السلاح الفتاك والقوة التكنولوجية والصناعية وأن الشروع في نزاع مسلح لطردهم من البلاد يعني ببساطة إبادة السود الذين لم يمتلكوا سوى وسائل بدائية !

أصبحت الصحف الأوروبية تتحدث طوال عقود عن جرائم فظيعة يتركبها البيض ضد المواطنين الأصليين. بدأت الحركة الوطنية بقيادة مانديلا من داخل المعتقل في إجراء تحولات فكرية وثقافية كبيرة أدت إلى تخليهم عن الكفاح المسلح والاحتفاظ بالنضال المدني السلمي، فتضامن العالم معهم لأن قضيتهم عادلة، ثم تكونت حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات إلى أن انهار النظام العنصري تماماً فتم تكوين دولة ديمقراطية واحدة مع تطبيق شعارات الحرية والعدالة والمساواة !

بشيء من التجريد والعقلانية، وقليل من صحوة الضمير، وبلا أوهام ورواسب قديمة، سنجد أن ما حدث في فلسطين مقارب بشكل كبير لما حدث في أمريكا وجنوب أفريقيا وأستراليا، حيث هاجمت بلادنا عصابات مسلحة تدعي أنها يهودية .. اعتمدت على العلم بشكل كبير، لها صلات وثيقة بالعالم الأوروبي، امتلكوا القوة المسلحة الحديثة والمتطورة، وأسسوا دولة اعترف بها العالم الغربي كله، فقررنا بوسائلنا البدائية طردهم وذبحهم وإلقائهم في البحر، وحدث الصدام عام 1948 والنتيجة كانت النكبة المروعة !

ماذا لو عدنا إلى كلام الراحل عبد الشافي ؟ ماذا لو لم نتصرف بردة الفعل ؟! وماذا لو قررنا حينها التعايش معهم في دولة واحدة ؟؟! بالمناسبة كان عبد الشافي شخصية أممية غير عنصرية، ذلك أنه وقبل النكبة كانت له عيادة في يافا يعالج فيها فقراء العرب واليهود دون تمييز !!

ثم لماذا نتجاهل تطورهم وتقدمهم وقوتهم وتفوقهم علينا ؟ من يحتاج من في الحقيقة ؟! ولماذا لا نطالب بالتعايش معهم في دولة واحدة كما اقترح عبد الشافي قبل النكبة ؟؟ ألم يكن من شأن اقتراح من هذا القبيل أن يجنبنا الكارثة التي بدأت عام 1948 ولم تنتهي لحد اللحظة ؟؟!

ثم لماذا نريد دولة مستقلة ؟؟! من أجل منافع شخصية لبعض الوحوش معدومي الضمير أمثال أصحاب شركة الاتصالات وجوال والكهرباء ؟! أم من أجل أفاق يتقاضى مرتب وزير وينافح عن قيام دولة لكي يتمرغ في النعيم وحده ثم يعاني الملايين في غزة والضفة جراء الفقر ؟؟؟ استقلال بماذا ؟؟! أين جامعاتنا ؟؟! أين براءات اختراعنا ؟؟! أين مواردنا ؟؟ أين تصنيعنا وأين إنتاجنا وأين تصديرنا ؟؟! دولة متخلفة فقيرة من أجل أن يمتلك 30 % من الناس كمبيوتر وإنترنت فيما لا يجد 70 % من الناس ثمن حليب أطفالهم أو رسوم تعليم أبنائهم أو ثمن علاجهم ؟؟! هل تعتقدون أن الدول المانحة ستظل إلى الأبد تدفع لنا رواتبنا وتوزع على فقرائنا كوبونات الغذاء ؟؟ متى سنعتمد على أنفسنا ؟؟ هل نبحث عن استقلال شكلي بالعلم والسجادة الحمراء والنشيد الذي لا يطعم جائعاً ولا يداوي مريضاً ولا يعلم جاهلاً ؟؟!

ثم لماذا لا نواجه الواقع بعقلانية ؟؟! دولة تحكمها قوى يمينية محافظة مثل غوغاء حماس وفتح، هل ستكون دولة ديمقراطية ؟؟! هل ستكون دولة متطورة ومتقدمة ؟؟! فتح حكمتنا بانتخابات واحدة من 1994 ولغاية 2006، وحماس حكمت غزة بانتخابات واحدة من 2007 وحتى 2015 الحالية .. يا ناس أين عقولكم ؟؟؟ خلال 22 عاماً انعقدت السيادة للفوضى والفساد بكل أشكاله .. طوال 22 عاما من توقيع أوسلو لم يتم إنشاء مستشفى واحد خاص لعلاج السرطان بينما يضطر المرضى المساكين وذووهم إلى السفر إما إلى مصر أو طلب تحويلة إلى إسرائيل ! جامعاتنا عبارة عن شركات استثمارية متخلفة لا تؤهل الشباب لعمل حقيقي منتج .. تصاعدت نسبة البطالة إلى حد مخيف مع إغلاق إسرائيل لحدودها أمام العمال وأمام رزمة العقوبات التي فرضتها على غزة بعد انتخابنا لحماس .. لماذا لا نفكر تفكيرا مغايراً ؟؟ لماذا لا نبدأ بتداول فكرة الدولة الواحدة العلمانية الديمقراطية ونجعلها هدفاً لنا كما فعل السود في جنوب أفريقيا ؟؟! لماذا لا نتخلى عن مبدأ العنف جملة وتفصيلاً بعد كل هذا الفشل ؟؟!

بالمقابل لدى إسرائيل تقدماً كبيراً في شتى المجالات، وهي دولة تحترم العلم ومراكز الأبحاث بشدة .. إسرائيل تنفق على البحث العلمي من 7 إلى 9 مليار دولار سنوياً ( 4.7 % من ناتجها القومي ) وهو يوازي ما تنفقه الولايات الأمريكية الخمسين مجتمعة !! فلماذا لا نقنعهم بدولة ديمقراطية واحدة ؟؟ أشارت دراسة حديثة أن العرب حصلوا مجتمعين على 370 براءة اختراع في 20 عاما بينما سجلت كوريا الجنوبية وحدها 57,968 براءة اختراع، وبلغت براءات الاختراع التي حصلت عليها الدول العربية حوالي 500 براءة اختراع بينما حصلت إسرائيل على ما مجموعه 16,805 وحصلت اليابان على 725,866 وألمانيا على 313,078فأي دولة تلك التي يروج لها اليمين الفلسطيني ومعه حفنة من أصحاب الامتيازات والأرصدة ؟؟!

ثم كيف نقنعهم بدولة مواطنة كاملة ومساواة ونحن نعبد صنماً اسمه دولة مستقلة ؟؟ الصومال دولة مستقلة والسودان والعراق وسوريا .. نريد دولة في عصر تفكك الدول وانهيارها ؟؟! كيف نقنعهم بدولة واحدة ونحن ننفعل ونهلل ونكبر لحادثة طعن إسرائيلي قد يكون طبيباً يعالج مرضانا كما فعل من قبل الراحل عبد الشافي أو كما يفعلون هم الآن مع مرضانا ؟؟!

أذكر أنني وفي الفترة من 1989 ولغاية 1992 اضطررت أمام ضيق العيش إلى العمل في إسرائيل، وذات مرة تورطنا مع إسرائيلي من أصل مغربي في مقاولة دهان عمارة كاملة .. الشيكات التي أعطانا إياها كانت مضروبة بلا رصيد، ومكث حوالي ثلاثة شهور يسرق الوقت ويطلق الوعود الكاذبة، حتى جاء ذلك اليوم الذي لن أنساه أبداً !

خرجت من مكتبه بالقدس الغربية وكالعادة كان كذابا نصاباً، استقليت سيارة أجرة عن الخط، فلاحظ السائق أنني لست مواطناً إسرائيلياً إذ كنت أرتدي ثياب العمال .. فدار بيننا الحوار التالي باللغة العبرية:

– أنت لست من القدس على ما يبدو .. من أين أنت ؟!

– من غزة
– ولماذا جئت إلى هنا ؟
– جئت لأحصل نقوداً من شخص نصاب عملنا معه.
– وهل لديكم شيكات ؟
– نعم
– وهل دخولك إلى البلاد رسمي ( يقصد بتصريح ) ؟
– نعم
– إذن اسمع .. لن آخذك إلى باب العامود لكي تذهب إلى غزة .. سآخذك إلى شرطة العاصمة .. ادخل لا تخشى شيئاً .. اطلع الطابق الثاني .. في أول غرفة ستجد ضابط الشكاوى .. ادخل وحدثه بالأمر وهو سيتصرف ! لو كانت تلك الشيكات معي كنت سأنتظر عليها خمس سنوات ولكنكم في غزة تحتاجون طعاما !

بالفعل أنزلني أمام مركز الشرطة .. سألت شرطية عن مكتب الضابط، فتركت مشاورها وصاحبتني إلى الغرفة المقصودة .. هناك أخبرت الضابط بالقصة فطلب الشيكات، وبعد أن تفحصها طلب مني أن أتوجه إلى دائرة الإجراء .. كانت الشرطية ما تزال واقفة، وكانت الانتفاضة في أوجها .. دلتني على مكتب الإجراء ولكن أثناء سيرها كانت تتساءل بصوت استنكاري ( هل أنتم من غزة ؟ كيف تأكلون ؟ كيف تشربون ؟ كيف تنامون ؟؟ ) .. من أسألتها فهمت كم كانت قلقة على حياة أهل غزة في ظل سياسة تكسير العظام والمنع المستمر للتجول. أنهيت المعاملة ودفعت ما قيمته 1 % من المبلغ المستحق .. الموظفة في دائرة الإجراء قالت ( القانون يسمح له بفرصة 48 ساعة لتسديد الشيكات، ولكن حيث إنك من غزة ولابد أن تعود في أسرع وقت، سأتصل به ليأتي الآن وإلا فسوف يدخل السجن !! )

بالفعل جلست ما لا يزيد عن نصف ساعة وإذا بمندوب للشركة يدخل ومعه مظروف النقود .. قالت الموظفة .. تفضل .. عد نقودك .. عددتها طبعا فوجدتها سليمة .. فقالت عدها مرة أخرى .. هكذا القانون !! عددتها مجددا فوجدتها سليمة، فسألتني بزهو وافتخار: كيف رأيتنا الآن ؟؟؟!
شيء آخر تنهبت له، وهو مطالبة مندوب الشركة بإزالة النقطة السوداء من ملف الشركة على الكمبيوتر، ذلك الملف هو ملف السلوك والأخلاق العامة للشركة، وهو متاح لجميع البنوك بشفافية، وعندما تتوجه الشركة إلى البنك بطلب تمويل مشروع فإن أول ما يفعله البنك هو فحص تاريخ الشركة والتأكد من خلوه من عمليات النصب والاحتيال .. لكن الموظفة أجابته بصرامة: لو كنت محترماً وأعطيت العمال حقوقهم دون تدخل الحكومة لم يكن ليدخل ملفك نقطة سوداء .. النقطة دخلت ولن تتم إزالتها قبل خمس سنوات !! هكذا القانون !!

سؤال عالماشي: ماذا لو تعرضت الشرطية التي كانت تبكي أهل غزة، أو الموظفة بدائرة الإجراء للطعن في باب العامود ؟؟!

مجرد حادثة من هذا النوع كانت تجعلني أتساءل: لماذا الحرب والعدوان ؟! لماذا الكراهية ؟؟ لماذا يقتلونا ونقتلهم ؟! وإلى متى ستستمر دوامة العنف الأخرق ؟! طالما أن الأقدار قد جمعت شعبينا في بقعة واحدة من الأرض، فلماذا لا نتعلم كيف نعيش معاً ؟؟! نعم في دولة واحدة للشعبين .. لكن ليس قبل تخلي بعضهم عن هرطقات عنصرية متخلفة مثل ” يهودية ” الدولة، ثم تخلينا نحن بالمقابل عن العنف وعن حلم تدمير إسرائيل وإلقائهم في البحر كما اقترح علينا حضرة المفتي سنة 48 !!

المصدر: عبدالله أبو شرخ